19‏/8‏/2011

السحر ...... التوكال




«التوكال»
«التوكال» كلمة تخيف العامة وتعني بالتعبير الدارج كل ما يتم دسه للانسان في الطعام أو الشراب من مواد سامة، بغية الحاق الاذى به, وحسب الاعتقاد، فان حالة التسمم التي تنتج عن التوكال، تظهر من خلال بعض الأعراض المعروفة، كانتفاخ الجسم، والتقيؤ، وظهور بعض الأمراض الجلدية، وسقوط الشعر,,,إلخ, وبحسب نوع العناصر والمقادير المستعملة، يحدد المستفيد من العملية الأثر المطلوب كصابة بمرض مزمن، قتل فوري أو قتل بطيء.ولاحقيقة ان هذا الشكل البدائي من الانتقام الجبان (لانه يتم دون مجابهة) معروف منذ القدم وفي العديد من الحضارات، وتكفي نظرة على مصنفات الطب القديمة اليونانية والعربية لنكتشف مدى اهتمام الاطباء العرب واليونانيين بأنواع السموم وطرق معالجة التسميم, ولا تزال تستعمل حتى الوقت الراهن بعض الوصفات التي عرفت قديما لعلاج أعراض التوكال.وصفات الموت


قسم الدكتور شارنو، وهو طبيب شرعي في دراسة له عن التوكال خلال الفترة الاستعمارية، المواد المستعملة في المغرب، في وصفات التسميم الشعبية (المعروفة تحت اسم التوكال) الى ثلاثة أنواع:

- سموم من أصل نباتي.

- سموم من أصل حيواني.

- سموم من أصل معدني.

ويندرج ضمن النوع الأول بيض بعض الزواحف وبعض الحشرات وأيضا رأس الغراب المحروقة وغيرها، وبالنسبة للصنف الثاني، ذو الأصل النباتي، يتضمن الأوراق أو الثمار السامة لبعض النباتات البرية كتفاح الجن (بيض الغول) الشديد الخطورة على صحة الانسان، (وشدق الجمل) الشديد التسميم, بحيث يكفي غرام واحد منه لقتل إنسان!

أما النوع الثالث من أنواع السموم ذات الاصل المعدني، فاشهرها الرهج (وهو حجر مستدير أصفر اللون في حجم حبة الحمص).وتباع هذه العناصر السامة لدى العطارين كأي مستحضرات عادية أخرى، رغم خطورتها الشديدة على صحة الانسان، وتستعمل أغلبها مذابة في الوجبات المحلية الشهيرة كالكسكس والحريرية (التي تخلط المادة السامة مع عناصرها «الثقيلة») وأىضا بعض المشروبات كالقهوة بدون حليب.

ويمكن ان نضيف الى تقسيم الدكتور شارنو نوعا رابعا من المواد التي يعتقد العامة انها تحتوي على عناصر سامة، وتتكون من الغالب من أجزاء من جسم الإنسان كالأظافر ودم حيض المرأة الذي يستعمل في وصفات التسميم طريا, ولأن الموت في اعتقاد المغاربة يعدي، فان كل ما يلمس جسد الميت، وكل ما يوجد في المقبرة ينتج بالضرورة الموت, ولذلك نجد من بين المواد المستعملة في وصفات التوكال أيضا:

التراب المجلوب من سبع مقابر مختلفة، واضلع الموتى وعظامهم وأظافرهم، وماء غسل الميت وما الى ذلك.

العلاج

من أطرف انواع العلاج المعروفة لشفاء المصاب بالتوكال: ان يضع الفقيه المعالج «جدولا» يحمله المريض معه، ويذهب لينام كي يرى في منامه الشخص الذي ناوله المستحضر السحري السام، فيعترف له (في المنام) بنوعه، وحين يستيقظ يخبر بدوره الفقيه ا لذي يسهل عليه العلاج، بعد ذلك.

وهناك طرق أخرى يلجأ إليها المختصون في صرع الجن، تقوم على تسخير مخلوقات الخفاء للكشف عن أصل ونوع الاصابة، ففي ضريح «بويا عمر» حيث تنعقد «محكمة الجن الكبرى»، «وينطق» الجن خلال حصص «الصريع» فيكشف عن اسم واضع التوكال ونوعيته!

وتعالج أمراض التوكال في هذا الضريح، الذي يؤمه زهاء مليون زائر في السنة، من خلال القيام بطقوس غريبة تتضمن تناول المريض لتراب الولي (المعروفة بالحنة)، محلولا في ماء تساوت (النهر الذي يخترق المنطقة)، ثلاث مرات في اليوم قبل الأكل، ويثير هذا الاسلوب العلاجي الغثيان لدى المريض فيتقيأ بكثرة كما يصاب بالاسهال.

وفي زعم المشرفين على العلاج ان القيء والاسهال يسمحان «بطرح» التوكال خارج الحسم, ومن الوصفات الشعبية المستعملة لعلاج التسميم ايضا بالتوكال تحضير محلول يشربه المصاب بهدف اثارة الغثيان, ثم القيء المطهر «للجوف» ويتكون المحلول من ماء البحر وأوراق الدفلى (فليو) و(شنتكورة) و(سرغينة),,.

والغريب انه في الوقت الذي يستعمل بيض الحرباء للتسميم، نجد أن الكثير من وصفات العلاج من التوكال تتضمن استعمال لحم الحرباء، والذي يطبخ غالبا مع بعض العناصر والمواد الأخرى ليأكزها المريض.

وحسب بعض العطارين فإن كل المصابين يطلبون منهم في الغالب الحرابى (جمع حرباء) حية مع مواد أخرى يصفها لهم الفقهاء المعالجون.

ويثيرر ذلك ملاحظة نسجلها حول نمطية أسلوب العلاج لدى المعالجين، حيث لكل واحد منهم طريقته التي يصفها لجميع أنواع الاصابات,,, بينما رأينا في سياق هذا المقال ان اسباب التسميم مختلفة!

الكركور والشجرة المقدسة

ومن أهم المعتقدات السحرية في المغرب، سنحاول امعان النظر في طرق شخصنة القوى المقدسة - السحرية، من خلال نموذجين أساسيين (لا يزالان حاضرين في المغرب اليوم)، من بين نماذج أخرى كثيرة - لكنها أقل أهمية - لرموز وطقوس مارسها أسلافنا خلال أزمنة سحيقة, وهي بالتالي بقايا وثنية (الوثنية هنا بمعنى: تعدد الآلهة)، استطاعت التكيف مع الاسلام واستمرت صامدة تطرد الشر وتمح البركة، في معتقد العامة.

الكركور

الكركور بالتعبير المحلي هو ركام الحجارة التي تتقارب في الحجم، وتثير في نفوس الناس منها، مزيجا من مشاعر الرهبة والقداسة الغامضة، لمجرد ترتيبها وفق نظام معين.

وقد عرف المغاربة منذ القدم أشكالا كثيرة من الكراكير (جمع كركور)، مختلفة من حيث أحجامها والسياقات التي شهدت نشأتها, وبشكل عام، يمكن القول ان العادة جرت - في الماضي - على ان يشيد الناس كركورا من الحجارة في المكان الذي قتل فيه شخص غدرا، مسافرا كان او مقيما، ويسمونه (الرجم), وكان الاعتقاد سائدا في كون الجن يتواجدون عند تقاطع الطرقات، وفي الطرق الموحشة واماكن سيلان الدم، وغير الآمنة فكان كل مسافر يحمل معه حجارة عند الاقتراب من مفترق الطرقات، حتى اذا وصله رمى بها المكان الذي يعتقد في وجود الجن به، وبمرور الوقت والعابرين تتشكل كراكير عند ملتقيات الطرق ما تلبث ان تكتسب صفة غامضة من القداسة.

ومثل غيرهم من شعوب الارض، عرف المغاربة طقس الكركور المعروف تحت اسم «الشعيرة», فعندما تنبث لأحدهم الحبة في العين (التي تحمل هذا الاسم)، يأخذ سبع حبات من الشعير ويضعها بين سبع حجرات أو وسط ركام حجارة وسط الطريق، حتى اذا مر أحدهم واسقط الحجارة عن قصد اومن غير ان يقصد، تخلص المصاب من «شعيرته» التي ستلتصق بمسقط الحجارة! ولا يزال هذا الطقس يمارس حتى الآن، وان بشكل محدود جدا.

لكن الكراكير التي تشيد الى جوار الأولياء وفي المقابر المنسية، هي التي لا زالت تثير اهتمام العامة في وقتنا الراهن.

ويصنف علماء الاثنوغرافيا والانتروبولوجيا هذه المعتقدات ضمن الطقوس التعبدية للحجارة المعروفة لدى أمم وشعوب أخرى, وكان دأب المغاربة ان يقيموا الكراكير المعروفة لأكثر من معنى وهدف، فكانوا كلما قتل رجل - في زمن «السيبة» - في مكان ما يقيمن فوق المكان ركام حجارة للاشارة الى ان الموقع اكتسب شكلا م القادسة، لانه «سقط فيه روح», وفي حالات أخرى كانوا يشيدون الكركور لغرض التخلص من لعنة مرض «تسلط» عليهم بفعل سحري (حالة الكركور في المقبرة المنسية) أو لمجرد التخلص من تعب الطريق, ولذلك كانت قمم الجبال العالية (في الأطلس الكبير على الخصوص) ملأى بالكراكير، حيث كان المسافرون كلما بغلوا قمة جبل رموا في مكان منها حجارة للتخلص من عناء المشي المتسلق، كما جاء في بعض الكتابات التي تعود الى بدايات القرن العشرين.

في ركن منسي من مقبرة تعلوها اليبوسة من كل مكان وتتوسطها ثلاثة أضرحة يقصدها الناس لقطع التابعة، عثرنا على كركور من الحجارة منصوبا فوق حفرة يبدو انها كانت فيما مضى قبرا، في شكل هرم صغير على بعد امتار معدودة من نخلة قصيرة يعلق الناس على سعفها ملابسهم (الشجرة المقدسة) «لقطع التابعة من أصلها»، ها هنا تتكامل الأدوار، ولكن أحد المشرفين على الضريح المجاور للكركور انكر معرفته لسر الحجارة المرصفة بعناية.

وحسب شهادات باحثين انتربولوجيين، فان الكراكير المقدسة، كانت في السابق تأخذ أحجاما كبيرة وتطلى بالجير، حتى تكون بادية للعيان عن بعد، ونذكر منها الكركور الذي كان موجودا على مشارف مدينة مولاي بوشعيب (آزمور الحالية) والذي كان يعتبر اكبر كركور (أو على الأقل من أكبر الكراكير) في المغرب، حسب شهادات بعض شيوخ المنطقة, وكانت العادة تقتضي ان يضيف اليه كل وافد أو مغادر حجرا أو هرما صغيرا من الحجارة, وأيضا الكركور الذي كان موجودا في زاوية سيدي علي بن حمدوش في مراكش.

ان أهم الوظائف الأساسية التي تنتظر العامة من الشخص أو المكان المقدس النهوض بها، هي تحمل لعنة الشر التي ليست للكائن الضعيف القدرة على تحملها, ولذلك يتحول الكركور كمكان مقدس الى ركام هائل من الشرور التي تخلص منها المحبون من وهن المرض أو الظروف الاجتماعية غير المواتية,,, حيث تقتضي الطقوس ان يلجأ كل راغب في التخلص من شر فعلي او معنوي الى اضافة حجر واحد او اكثر الى الكركور، بينما يقوم آخر بتشييد هرم جديد الى جوار القديم، لكن من حجارة أخرى، فكل حجر من حجارة الكركور القديم يتقمص شرا تخلص منه صاحبه، ولذلك فان مجرد لمسه كفيل بان ينقل العدوى!

وفي بعض الأحيان، يكون الكركور نفسه مرابطا (وليا) بمعنى مزارا مقدسا (انظر الصورة)، حينما يكون عبارة عن «حوش» أو «حويطة» (تصغير حائط) من الحجارة المرصفة في شكل جدران قصيرة بلا سقف، فتوقد في داخله الشموع والبخور وترمى النذر, ويمنح المكان المقدس هذا اسم علم لتمييزه، ما تلبث العامة ان تضيف اليه لقب «سيدي فلان» أو «للا فلانة».

شجرة البركة المقدسة

كما هو الشأن بالنسبة للكركور، تعتبر الكثير من أشجار التي توجد في محيط المقابر المحيطة بأضرحة الأولياء بدورها «شيئا» مقدسا, فالمكان المقدس يتناثر الى عدة أمكنة, صحيح انها تكتسي أهمية ثانوية، لكن لكل منها وظائفه وطقوسه الخاصة، وان كانت الأمكنة جميعها تتوحد في اشعاعها للبركة: تلك القوة السحرية العجيبة التي تطرد الشرة وتمنع البركة.

ومثل الكركور، يعتبر تقديس شجرة البركة استمرار لمعتقدات تضيع أصولها الأولى في ليل التاريخ، وهو معتقد تشترك في اعتناقه الكثير من الشعوب التي يقول علماء الاثنوغرافيا ان افرادها يمارسون تعليق النذر على أنواع مختلفة من الأشجار، كما يحصل عندنا.

ويدفع ذلك الى التساؤل، مع عالم الاجتماع الفرنسي درمنغن: «لماذا تقديس العامة شجرة البركة؟».

هل تقدس الشجر، أم المكان، أم الجني الذي يسكن الشجر او المكان، ام الانسان الذي يعتقد انه مدفون تحتها، ام تقدس قوة الكون الحيوية التي تعتبر الشجرة تعبيرا عنها,,, أم ان السبب كامن في الجمال الغامض لهذا الخشب؟

ان الشجرة المقدسة يسهل تمييزها عن غيرها، من الخرق والخيوط المتدلية من أغصانها ومن المسامير المثبتة في جدعها، حتى ان بعضها انشرخ جدعه من كثرة ما اندق فيه من مسامير وأوتاد! هي في العادة - حسب المناطق - شجرة تين هرمة تتدلى من أغضانها شبه العارية ملابس وحروز من كل الألوان، وعند قدمها يحرق الجاوي وتوقد الشموع,,, وقد تكون نخلة قصيرة أو زبوجة (الزيتون البري)، أو زيتونة أو خروبة أو سدرة.

بعض الأ شجار تستمد قدستها من موقعها المجاور لأحد الأولياء، وفي حالات كثيرة تكون الشجرة المقدسة هي سبب ظهور الولي نفسه.

فعندما تغطى الغابة المقدسة (الحرم) مقبرة قديمة، تحظى شجرة أو اثنتان بالتقديس لدى العامة، ما تلبثان ان تحيطهما العامة بكركور بغرض الحماية من الحيوانات المرعية, ثم ما يلبث ان يتحول الكركور الى ولي مجهول الاسم يمنح من أجل تعريفه اسم نوع الشجر الذي يظلله: كسيدي بوكرمة (إذا كان تينا) أو سيدي بوسدرة، أو سيدي بوزبوجة او سيدي بونخلة، وهكذا,,, تؤسس معه ذاكرة الناس لأسطورة ولي جديد يروج انه مدفون تحت الشجرة فتصبح هذه الاخيرة مجرد ملحقة بالضريح لكنها لا تعدم من بركاته شيئا, كل خرقة معلقة على أغصان شجرة البركة المقدسة او نذر يمثل دعاء أو شكوى أو تخوفا أو أمنية معلقة على الأغصان الخفيضة, وفي جذعها تدق المسامير والأوتاد للتخلص من الأمراض (حمى، وجع الرأس، والاسنان,,,) أو تعقد أغصانها الطرية أو توضع عند ملتقى أغصانها حجارة,,,الخ, ويصبح الخيط او الخرقة المعلقة وسيلة اتصال بين الزائر والبركة التي تشعها الشجرة عند بعد، وكذلك هو مبدأ السحر الاتصالي كما سبق ان رأينا, وقبل ان يعود الزائر إلى بيته يقطع طرف غصن من الشجرة ليحتفظ به باعتباره قطعة محملة بالبركة، لكنه يحاذر ان يلمس أيا من النذر المعلقة.

كيف تقرأ الانتربولوجيا هذه الطقوس البدائية؟ بالسنبة لفرايزر، فانها طقوس للتطهر، بينما يؤكد أوبير وموس في اطروحتهما العميقة حول القربان على الطبيعة المزوجة للطقس، والمتمثلة في نفس الوقت في طرد الشر ونيل البركة؟

لقد كانت الشجرة دائما رمزا لشمولية الكون في تكونه وصيرورته, فالأماكن المقدسة الأكثر قدما في العالم كالمراكز الطوطمية الاسترالية والمعابد البدائية السامية واليونانية والهندية، كانت دوما عبارة عن شجرة او عمود من نالخشب، اي رمزا للشمولية الكونية التي يمثل الحجر فيها الاستقرار بينما الشجرة ترمز الى صيرورة الحياة المتجددة باستمرار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق